أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
839
العمدة في صناعة الشعر ونقده
النحاس فقال : هذان / البيتان لا يعرفان في أول هذه القصيدة ، ومما يزيد الاسترابة بهما أن المتعارف عند أهل اللغة أنه ليس للعرب في الجاهلية مرثية أولها تشبيب إلا قصيدة دريد . - وأنا أقول : إنه الواجب في الجاهلية والإسلام ، وإلى وقتنا هذا ، ومن بعده ؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولا عن النسيب « 1 » بما هو فيه من الحسرة ، والاهتمام بالمصيبة ، وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة ، وحين أخذ بثأره ، وأدرك طائلته « 2 » . - وربما قال الشاعر في مقدمة الرثاء : « تركت كذا » ، و « كبرت عن كذا » ، و « شغلت عن كذا » ، وهو في ذلك كله يتغزل ، ويصف أحوال النساء ، وكان الكميت ركابا / لهذه الطريقة في أكثر شعره . - فأما ابن مقبل فمن جفاء أعرابيّته أنه رثى عثمان بن عفان رضى اللّه عنه بقصيدة حسنة ، أتى فيها على ما في النفس ، ثم « 3 » عطف فقال « 4 » : [ الطويل ] فدع ذا ولكن علّقت حبل عاشق * لإحدى شعاب الحين والقتل أرنب « 5 » ولم تنسني قتلى قريش ظعائنا * تحمّلن حتّى كادت الشّمس / تغرب « 6 » يطفن بغرّيد يعلّل ذا الصّبا * إذا رام أركوب الغواية أركب « 7 »
--> ( 1 ) في المطبوعتين فقط : « عن التشبيب » . ( 2 ) في المطبوعتين فقط : « طلبته » . والطائلة هنا بمعنى الوتر ، يقال : فلان يطلب بنى فلان بطائلة ، أي بوتر ، كأن له فيهم ثأرا فهو يطلبه بدم قتيله ، وبينهم طائلة أي عداوة وترة . انظر اللسان . ( 3 ) في ف : « ثم تخلف فقال » ، وفي المطبوعتين : « . . . وقال » ، وع مثل المغربيتين . ( 4 ) ديوان ابن مقبل 17 و 18 ، وهناك اختلاف في ترتيب الأبيات . وانظر كفاية الطالب 121 ( 5 ) علّقت : أي علقت نفسي . الحين : الهلاك ، يعنى أنه عشق للهلاك . وأرنب أي هي أرنب شبهها بالأرنب . ( 6 ) في الديوان : « . . . ظعائن . . . » ، وانظر ما يقوله المحقق بعد ذلك ، فقد بين أن الإساءة باقية حتى على هذا القول . ( 7 ) الغرّيد : صاحب الصوت المطرب في الغناء ، وهو يريد حاديا غريدا . وأركوب الغواية : جماعة الضلال .